يحلل ديفيد لوبين أداء الدولار خلال الحرب مع إيران، ويكشف أن العملة الأمريكية حافظت على مكانتها العالمية رغم الضغوط. يوضح أن الدولار لا يزال الملاذ الآمن الأول في أوقات الأزمات، حيث يتجه المستثمرون والحكومات إلى الأصول المقومة به بحثًا عن الاستقرار والسيولة.


يعرض المقال، المنشور في تشاتام هاوس، قراءة دقيقة لسلوك الأسواق خلال الأزمة. يبين أن الثقة في الاقتصاد الأمريكي ما تزال عاملًا حاسمًا في دعم الدولار، رغم تراجع هذه الثقة تدريجيًا على المستوى العالمي. يطرح هذا التناقض تساؤلات حول ما إذا كانت قوة الدولار تعكس متانة حقيقية أم مجرد ظروف مؤقتة.


أداء الأسواق الأمريكية تحت الضغط


يظهر الدولار قوة نسبية خلال فترة الحرب، حيث ارتفع مقابل سلة من العملات، بينما حافظت الأسواق الأمريكية على أداء أفضل مقارنة بنظيراتها. يعكس هذا السلوك خصائص تقليدية للعملة كملاذ آمن، إذ تتدفق الاستثمارات نحوها عند تصاعد المخاطر.


رغم ذلك، شهدت عوائد السندات الأمريكية ارتفاعًا ملحوظًا، وهو أمر لا يتماشى دائمًا مع فكرة الملاذ الآمن. يرتبط هذا الارتفاع جزئيًا ببيع بعض البنوك المركزية الأجنبية للسندات الأمريكية لتلبية احتياجاتها المحلية، ما يضغط على أسعارها ويرفع عوائدها.


تقارن هذه التطورات بأزمات سابقة، مثل الأزمة المالية العالمية وهجمات سبتمبر، حيث تظهر الأسواق الأمريكية قدرة على الصمود. يعكس هذا الأداء استمرار جاذبية النظام المالي الأمريكي، لكنه لا يقدم دليلًا قاطعًا على استقرار طويل الأمد لمكانة الدولار.


اقتصاد محصّن أم قوة هيكلية؟


تفسر قوة الدولار جزئيًا بعوامل اقتصادية داخلية، أبرزها تحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج عالمي للطاقة والأسلحة. يمنح هذا التحول الاقتصاد الأمريكي قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، مقارنة بدول تعتمد على الاستيراد.


يعني ذلك أن الأسواق قد تتفاعل مع متغيرات ظرفية أكثر من تفاعلها مع أساسات النظام المالي العالمي. بعبارة أخرى، قد تعكس قوة الدولار في هذه الأزمة تحصّن الاقتصاد الأمريكي، لا بالضرورة استمرارية هيمنته النقدية.

 

يبرز هنا عامل الثقة، الذي يشكل حجر الأساس في مكانة الدولار. رغم استمرار الاعتماد عليه، تشير المؤشرات إلى تآكل تدريجي في الثقة العالمية، ما يفتح الباب أمام منافسين محتملين في المستقبل.


صعود هادئ للصين


تقدم الأسواق المالية الصينية صورة مختلفة خلال الأزمة، حيث تحافظ على استقرار ملحوظ. تبقى عوائد السندات الصينية مستقرة، بينما يسجل اليوان تحسنًا لافتًا، في وقت تعاني فيه عملات أخرى من التقلب.


يعكس هذا الأداء قدرة الاقتصاد الصيني على امتصاص الصدمات، بفضل اعتماده المحدود على النفط في إنتاج الطاقة وامتلاكه احتياطيات كبيرة. كما تستفيد الصين من انخفاض معدلات التضخم، ما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع ارتفاع الأسعار العالمية.


تعزز هذه التطورات طموحات بكين في تدويل عملتها، حيث تسعى إلى توسيع استخدام اليوان في التجارة والاستثمار العالمي. رغم أن العملة الصينية لا تزال بعيدة عن منافسة الدولار بشكل مباشر، فإن استقرارها خلال الأزمة يعزز الثقة الدولية بها تدريجيًا.


مستقبل الهيمنة النقدية


تكشف الحرب عن حقيقة مزدوجة؛ يحافظ الدولار على مكانته، لكنه يخرج من الأزمة بعلامات خفية من التآكل. لا يظهر هذا التراجع بشكل مباشر في الأرقام، لكنه يتسلل عبر تغيرات في الثقة والسلوك المالي العالمي.


في المقابل، تستفيد الصين من هذه اللحظة لتعزيز موقعها بهدوء، مستفيدة من استقرار اقتصادها وتزايد حضور عملتها. لا يعني ذلك تحولًا فوريًا في النظام المالي العالمي، لكنه يشير إلى مسار طويل قد يعيد تشكيل موازين القوة النقدية.


يبقى السؤال مفتوحًا؛ هل يستمر الدولار في الهيمنة المطلقة، أم يفسح المجال تدريجيًا لنظام أكثر تعددية؟ الإجابة لا تزال قيد التشكل، لكن ملامح التغيير بدأت تلوح في الأفق.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/04/dollar-dominance-surviving-iran-war-just-about